ابن عربي

143

فصوص الحكم

هذا بيان لسبب وجود العالم وظهوره بالصورة التي هو عليها . وذلك أن الأسماء الإلهية التي هي عين مسمى الحق تطلب ما تعطيه للوجود من الحقائق : أي تطلب مظهراً خارجياً تحقِّق وتظهر فيه كمالاتها . وليس ذلك المظهر إلا العالم . فلا بدّ إذن من هذا الظهور ولا بدّ من وجود العالم ، وإلا لم يكن للأسماء الإلهية معنى . والطلب هنا - في قوله : « طالبة ما تعطيه من الحقائق » إشارة إلى ضرورة عقلية هي ضرورة وجود أحد المتضايفين إذا وجد الآخر . فالأسماء الإلهية تطلب - أي تطلب عقلًا ما يحقق معانيها وهذه هي متضايفاتها : فإنه لا معنى لوصف الحق بأنه عالم إلا إذا وجد المعلوم ، ولا معنى لوصفه بالألوهية إلا إذا وجد المألوه ، ولا بالربوبية إلا إذا وجد المربوب وهكذا . وفي الأسماء الإلهية طائفتان متمايزتان مختلفتان : إحداهما الأسماء التي يتصف بها الحق من حيث كونه إلهاً - أي معبوداً - ومن هذه تتكوّن الألوهية . والأخرى الأسماء التي يتصف بها الحق من حيث كونه مدبِّراً للوجود ومتصرفاً فيه : ومنها تتكون الربوبية . فمن حيث ألوهية الحق يُعْبَد ويُخَاف ويقدّس ويسبّح بحمده ويدعَى ويُتَضرّع إليه إلى غير ذلك من الأفعال التي يقوم بها المألوهون إزاء إلههم . ومن حيث كونه رباً يرزق الخلق ويدبّر الكون ويجيب المضطر إذا دعاه ، وغير ذلك مما يقوم به الرب نحو المربوبين . فالألوهية إذن تطلب المألوهين ، والربوبية تطلب المربوبين ، ولا وجود لإحداهما - بل ولا تقدير لوجود إحداهما إلا بوجود أو تقدير وجود ما يضايفها . وقد صرح ابن عربي بهذا المعنى في موضع آخر من الفصوص بقوله : « فنحن بمألوهيتنا قد جعلناه إلهاً » . هذا كلام يقضي به منطق العقل ومنطق أي مذهب من مذاهب الدين ، ولكن ما معناه وما قيمته في مذهب ابن عربي وهو يقول بوحدة الوجود : أي بوحدة الإله والمألوه والرب والمربوب ؟ لا يزال إله ابن عربي يُعْبَد ويقدّس